أسباب الإباحة وموانع العقاب: الضوابط القانونية لحق الدفاع الشرعي في ضوء أحكام محكمة النقض

تُعد أسباب الإباحة من أهم الموضوعات الجوهرية في القانون الجنائي؛ فالفعـل الذي يشكل في ظاهره جريمة تامة الأركان يفقد صفته غير المشروعة وينقلب إلى عمل مباح قانونًا إذا وقع استعمالًا لحق الدفاع الشرعي ضمن الحدود والضوابط التي رسمها الشارع.

وقد أرست محكمة النقض في هذا الشأن مبادئ دقيقة وحاسمة، أبرزها أن قيام الدفاع الشرعي لا يُشترط فيه وقوع الاعتداء فعليًا وبشكل مادي بحت، بل يكفي أن يبرز فعل يخشى منه المتهم وقوع خطر داهم على نفسه، أو ماله، أو نفس غيره، أو ماله، متى استند هذا التخوف إلى أسباب مادية ومعقولة.

أولاً: العبرة بظروف المدافع وتصوره لحظة العدوان

لا يجوز بحال محاسبة المدافع بعد انجلاء الموقف بمنطق التفكير الهادئ المتزن؛ لأن من يُفاجأ بخطر حال يجد نفسه محاصراً في ظروف حرجة تملي عليه التصرف الفوري السريع. ولهذا استقر القضاء على وجوب تقدير مقتضيات الدفاع الشرعي بمنظور شخصي بحبح، يراعي الحالة النفسية والظروف الواقعية الدقيقة التي أحاطت بالمدافع ساعة الاعتداء، طبقًا لما تقرر في:

«لا يلزم في الفعل المتخوف منه والذي يسوغ حالة الدفاع الشرعي أن يكون خطراً حقيقياً في ذاته، بل يكفي أن يبدو كذلك في اعتقاد المدافع وتصوره بشرط أن يكون هذا الاعتقاد مبنياً على أسباب معقولة.» (الطعن رقم 51 لسنة 28 ق – جلسة 8/4/1958)

ثانياً: عدم استلزام التماثل بين وسيلة الاعتداء ووسيلة الدفاع

ليس من شروط قيام حق الدفاع الشرعي أن يتطابق السلاح أو الوسيلة المستخدمة من الجاني مع تلك التي يدافع بها المجني عليه؛ فلا يشترط أن يبادل المعتدي بسلاح ناري مماثل. والمعيار الحاكم هنا هو مدى الضرورة الموضوعية لرد الخطر بحسب ظروف الملابسات، وهو ما أكدته محكمة النقض بقولها:

«التماثل في الاعتداء ليس شرطاً من شروط الدفاع الشرعي، بل إن للمدافع أن يدافع عن نفسه بالوسيلة التي يراها لازمة لرد الاعتداء والتي تختلف تبعاً لاختلاف الظروف.» (الطعن رقم 81 لسنة 21 ق – جلسة 6/3/1951)

ثالثًا: استقلال التناسب عن أصل قيام حالة الدفاع الشرعي

من الأخطاء الفقهية الشائعة الخلط بين ثبوت أصل حق الدفاع الشرعي وبين تجاوز حدوده المقررة. والترتيب القانوني السليم يبدأ بالتحقق أولًا من قيام حالة الدفاع الشرعي ذاتها، ثم يبحث ثانيًا فيما إذا كان فعل الدفاع متناسبًا مع جسامة الاعتداء.

فإذا توافر الدفاع وتناسب الرد مع الخطر، تحققت الإباحة الكاملة. أما إذا ثبت أصل الدفاع ولكن جاوز المدافع القدر الضروري لرد العدوان بحسن نية، فينتقل البحث إلى مسألة "تجاوز الحدود" وما يترتب عليها قانونًا من تخفيف للعقاب. وفي هذا المعنى قضت النقض بأن:

«حق الدفاع الشرعي قد قرر بالقانون لدفع كل اعتداء مهما كانت جسامته، والنظر في تناسب فعل الدفاع مع الاعتداء لا يكون إلا بعد ثبوت قيام حالة الدفاع الشرعي.» (الطعن رقم 1929 لسنة 19 ق – جلسة 25/1/1950)

رابعًا: جواز التمسك بالدفاع الشرعي على سبيل الاحتياط ودون اعتراف

لا يشترط لصحة الدفع بحالة الدفاع الشرعي أن يعترف المتهم بارتكاب الجريمة ابتداءً؛ فيجوز له إنكار ارتكاب الفعل ماديًا، مع التمسك احتياطيًا بأنه على فرض ثبوت الفعل فإنه وقع في حدود الدفاع الشرعي. وقد استقر القضاء على أنه:

«لا يشترط لقيام حالة الدفاع الشرعي الاعتراف بالجريمة.» (الطعن رقم 1209 لسنة 22 ق – جلسة 27/1/1953)

كما لا يُشترط أن يصاغ الدفاع بعبارات قانونية حرفية مثل قول "أتمسك بالدفاع الشرعي"، بل يكفي أن يستشف المضمون من سياق الدفاع، كأن يقرر المتهم أنه لم يبدأ بالعدوان بل كان يدرأ اعتداءً واقعًا عليه (الطعن رقم 13 لسنة 26 ق – جلسة 27/3/1956).

خامسًا: انتفاء حق الدفاع الشرعي بانتهاء الخطر وانحسار الانتقام

ينقضي الحق في الدفاع الشرعي فور زوال الخطر أو توقف الاعتداء. فإذا انتهى التعدي وأضحى المعتدي غير قادر على مواصلته، ثم استمر المتهم في ضربه أو التعرض له، فإن الأفعال اللاحقة تخرج عن نطاق الإباحة لتغدو أفعالاً إجرامية مستقلة تعبر عن رغبة في الانتقام، وهو ما أكدته المحكمة بأن:

«الدفاع الشرعي لم يشرع للانتقام وإنما شرع لمنع التعدي من إيقاع فعل التعدي أو الاستمرار فيه.» (الطعن رقم 1753 لسنة 20 ق – جلسة 6/3/1951)

سادسًا: عدم التكليف القانوني بالهرب

من المبادئ الإنسانية والواقعية الراسخة في القضاء الجنائي أن القانون لا يفترض في الإنسان الجبن أو التخلي عن كرامته؛ فلا يطالب بالفرار عند استشعار الخطر:

«القانون لا يمكن أن يطالب الإنسان بالهرب عند تخوف الاعتداء عليه لما في ذلك من الجبن الذي لا تقره الكرامة الإنسانية.» (الطعن رقم 417 لسنة 22 ق – جلسة 6/10/1952)

سابعًا: التزام المحكمة ببحث الدفاع الشرعي متى أثير بجدية

تلتزم محكمة الموضوع بعرض الدفاع الشرعي وبحثه وإيراد أسباب سائغة بشأنه متى تمسك به المتهم مستندًا لواقعات محددة بالدعوى. بل تتسع هذه الوظيفة لتلزم المحكمة بالتعرض له ولو سكت المتهم عن التمسك به صراحة، متى كانت وقائع الدعوى التي أثبتها الحكم بذاتها ترشح لقيامه (الطعن رقم 127 لسنة 28 ق – جلسة 17/3/1958). أما في حال خلو الدعوى من أي شواهد تدل عليه وسكوت المتهم، فلا يجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض.

ثامنًا: أسباب إباحة أخرى (تنفيذ القانون والعمل الطبي)

إلى جانب الدفاع الشرعي، ترد أسباب إباحة أخرى كتنفيذ أمر القانون أو الرئيس المختص؛ حيث تنص المادة 63 من قانون العقوبات على حماية الموظف العام الذي يرتكب فعلاً تنفيذاً لأمر صادر من رئيس تجب طاعته أو معتقداً مشروعية عمله، بشرط توافر حسن النية وبذل العناية والتحري اللازمين.

كما أن الأعمال الطبية لا تتمتع بالإباحة لمجرد صدورها من طبيب مرخص، بل تشترط الممارسة السليمة وفق الأصول العلمية المستقرة، وإلا قامت المسئولية الجنائية بحسب صور الخطأ أو العمد.

الخلاصة الموجزة

لا تهدف أسباب الإباحة إلى محو الواقعة المادية، وإنما تنزع عنها صفة التجريم وعدم المشروعية. وحق الدفاع الشرعي لا يُقاس بمنطق النتائج بعد هدوء العاصفة، بل يُقاس بذات اللحظة التي واجه فيها الإنسان شبح الخطر والملابسات المحيطة به.

وتتدرج الآثار القانونية لتنقسم إلى:

  • الدفاع الشرعي التام والمتناسب: يؤدي إلى إباحة الفعل بالكامل.
  • تجاوز الحدود بحسن نية: ينقل الفعل إلى نطاق تخفيف العقاب.
  • الاعتداء اللاحق بعد زوال الخطر: يشكل جريمة انتقام مستقلة ومجرمة.