المصدر السري الشاهد الذي لا يراه أحد

من أكثر العبارات تكرارًا في محاضر التحريات قولهم: "وردت معلومات من مصدر سري موثوق به" أو "أكد المصدر السري صحة التحريات"
وتبدو هذه العبارة في ظاهرها قوية.
لكن عند التحليل تثار أسئلة جوهرية، فأحيانًا… تكون أخطر شخصية في القضية هي شخص لا يعرفه أحد ولم يره أحد.
من هو هذا المصدر؟
كيف علم بالمعلومات؟
ما مدى صلته بالواقعة؟
هل رأى بنفسه أم نقل عن غيره؟
هل له خصومة مع المتهم؟
هل له مصلحة؟
هل هو صادق أم كاذب؟
فإذا ظل المصدر مجهولًا تمامًا، غير قابل للمناقشة، وغير خاضع لأي رقابة، تحولت المعلومة إلى قول مرسل لا يمكن التحقق منه.
والعدالة لا تُبنى على شاهد لا يُرى ولا على معلومة لا يمكن اختبارها.
وهنا يجب التفرقة بين أمرين مهمين:
القانون لا يمنع الاستعانة بالمصادر السرية في جمع الاستدلالات.
لكن الخطورة تبدأ عندما تصبح التحريات قائمة بالكامل على مصدر مجهول دون وقائع مستقلة تؤيدها أو أعمال متابعة ومراقبة حقيقية تدعمها.
فكلما زاد الاعتماد على المصدر السري وحده وقلَّت الوقائع المادية المؤيدة، ضعفت جدية التحريات واهتز الاطمئنان إليها.

من هنا نستخلص بعض الدفوع وهي:-
1- الدفع بعدم جدية التحريات
إذا تأسست على مصدر مجهول دون بيان كيفية علمه أو مدى صلته بالواقعة.
2- الدفع بصورية التحريات
إذا استُخدمت عبارة “مصدر سري” كصياغة جاهزة دون وقائع حقيقية.
3- الدفع بعدم صلاحية المعلومات كدليل أو قرينة
لأنها منسوبة لشخص مجهول لا يمكن مناقشته أو التحقق من صدقه.
4- الدفع باحتمال الكيدية أو الانتقام
إذا كان المتهم معروفًا للمصدر أو بينهما خصومة محتملة.
5- الدفع ببطلان إذن النيابة
إذا صدر الإذن اعتمادًا على مصدر مجهول غير مؤيد بوقائع جدية مستقلة.
6- الدفع بالإخلال بحق الدفاع
لحرمان الدفاع من مناقشة أصل المعلومة ومصدرها ومدى جديتها.

ولهذا الحديث سند من القانون
حيث نص قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 150 لسنة 1950   المادة 21
مأمورو الضبط القضائي يباشرون جمع الاستدلالات بما يوجب الجدية والتحقق.
المادة 91
يشترط لإصدار إذن التفتيش وجود دلائل كافية وجدية.

 فإذا كان أساس التحريات شخصًا مجهولًا لا يمكن اختبار معلوماته، دون وقائع مادية مستقلة تؤيده، ضعف الدليل واهتزت الجدية.


كما توجد احكام قضائية مرتبطة
(نقض جنائي – طعن 13144 لسنة 60 ق – جلسة 3/1/1993
جدية التحريات تستلزم قيامها على معلومات لها أصل ووقائع محددة.)
(نقض جنائي – طعن 706 لسنة 44 ق – جلسة 2/6/1974
الأقوال المرسلة أو المجهلة المصدر لا تصلح وحدها سندًا للإذن.)
(مبدأ قضائي مستقر
تقدير جدية التحريات يخضع لرقابة المحكمة متى نازع الدفاع في أساسها.)


الخلاصة القانونية والإجرائية
كلما زاد الاعتماد على “المصدر السري” وقلَّت الوقائع المستقلة المؤيدة له، زادت الشكوك في التحريات.
فالمصدر السري قد يكون:  مخبرًا صادقًا أو ناقل شائعة أو صاحب خصومة أو مجرد عبارة مكتوبة بالمحضر
والتحريات الجدية لا تكتفي بالمصدر بل تؤيده بالمراقبة والرصد والوقائع والتوثيق.

أي أن
المعلومة التي لا يمكن اختبارها لا ينبغي أن تُسلب بها حرية إنسان.

من كتاب فن تحليل القضايا للمستشار الدكتور مدحت علي
بقلم : المستشار/ محمد وليد ابوزيد - المحامي